وُلِدَ عبد الله بن المبارك حوالي سنة 106 هجرية، وكان اسمه "روزبة" في مدينة "جور" ببلاد الفرس، كان أبوه قد تولى الخراج للحجاج بن يوسف الثقفي أيام إمارته على العراق، فمد يده إلى أموال السلطان فضربه الحجاج ضربًا موجعًا حتى تقفعت يده، فسُمِّيَ المقفع.

        عاش عبد الله بن المقفع 25 عامًا في ظل الدولة الأموية، و16 عامًا في ظل الدولة العباسية، وتلقى تعليمه بمدينة جور، حيث تثقف بالثقافة الفارسية، وعرف الكثير عن آداب الهند، ثم انتقل إلى مدينة البصرة فتشرَّب الثقافة العربية، إذ كانت البصرة مَجْمع رجال العلم والأدب، وكان "المربد" الشهير بها جامعة للأدباء والشعراء.

      

        اشتهر ابن المقفع حتى قبل إسلامه بمتانة أخلاقه، فكان كريمًا، عطوفًا، عاشقًا لحميد الصفات ومكارمها، شغوفًا بالجمال كما كان مؤمنًا بقيمة الصداقة، وإغاثة الملهوف، ومن الحكايات المشهورة التي تُروى عنه، أن "عبد الحميد بن يحيى" كاتب الدولة الأموية الشهير، اختبأ في بيت ابن المقفع بعد قتل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، لكن رجال الدولة العباسية الناشئة توصلوا إليه، ودخلوا عليهما بيت ابن المقفع، وسألوهما: أيكما عبد الحميد بن يحيى؟ فقال كلاهما: "أنا"‍‍ فقد قبل ابن المقفع أن يضحي بنفسه من أجل صاحبه، لكن العباسيين عرفوا عبد الحميد وأخذوه إلى السفَّاح.

        وقد كانت لابن المقفع آثار أدبية كثيرة منها: كتاب "فدينامه" في تاريخ ملوك الفرس، وكتاب "آبين نامه" في عادات الفرس ونظمهم ومراسم ملوكهم، وكتاب التاج في سيرة أنوشروان، وكتاب "الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة"، في أخبار السادة الصالحين، وكتاب "مزدك" وكتاب "قاطينورياس" في المقالات العشر، وكتاب "باري أرميناس" في العبادة، وكتاب "ايسافوجي" أو المدخل لفورفوريوس الصوري، وكتاب "أنا لوطيقا" في تحليل القياس، ورسالة "الصحابة" التي تدور حول الجند والقضاء والخراج، وتلك الرسالة تحوي الكثير من آراء ابن المقفع السياسية لإدارة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف بحكمة، وذلك بإصلاح حال المجتمع، ورفع مستوى الجند والخراج والقضاء، وفي هذه الرسالة إشارة هامة وواضحة إلى ضرورة وجود ما يشبه "القانون العام" للقضاة بحيث لا تترك القضايا للاجتهادات الشخصية للقاضي.

        ومن كتب ابن المقفع الشهيرة كتاب "الأدب الكبير" وكتاب "الأدب الصغير" وهما يحويان الكثير من الحِكَم المستمدة من الثقافات الإسلامية واليونانية والفارسية. ومن حكمه المشهورة: "المصيبة العظمى الرزية في الدين" – "أربعة أشياء لا يُستقل منها القليل: النار، المرض، العدو، الدَّيْن".

        وتميز ابن المقفع بأسلوبه الرشيق السهل، فقد كان رأيه أن البلاغة إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها، وكان ينصح باختيار ما سهل من الألفاظ مع تجنب ألفاظ السَّفِلَة، ويقول: "إن خير الأدب ما حصل لك ثمره وبان عليك أثره".

        أما أهم وأشهر كتب ابن المقفع على الإطلاق فهو كتاب "كليلة ودمنة"، وهو مجموعة من الحكايات تدور على ألسنة الحيوانات يحكيها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم، ويبث من خلالها ابن المقفع آراءه السياسية في المنهج القويم للحُكْم، والمشهور أن ابن المقفع ترجم هذه الحكايات عن الفارسية، وأنها هندية الأصل، لكن أبحاثًا كثيرة حديثة تؤكد أن كليلة ودمنة من تأليف ابن المقفع وليست مجرد ترجمة، كما أن بعض هذه الأبحاث يعتقد أن الآراء التي أوردها ابن المقفع في كليلة ودمنة كانت أحد الأسباب المباشرة لنهايته الأليمة، .


Ecrire un commentaire
Vendredi 28 avril 5 28 /04 /Avr 19:10
- Voir les 2 commentaires
Retour à l'accueil

Profil

  • نورالدين عميار
  • مدونة نور القلب
  • Homme
  • 21/07/1968
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés